القاضي النعمان المغربي
191
المجالس والمسايرات
فقال المعزّ عليه السلام : وهذا مما قدّمنا ذكره أنّه والمتغلّبين أمثاله إنّما أرادوا عاجل الدنيا ، فلمّا سلّمها الناس / إليهم لم ينظروا في شيء من أمر دينهم وسلّموه إليهم فأخذوه عنهم « 1 » . ولو كانوا ممّن تعبّدهم اللّه تعالى لتقويم عباده على ما شرعه لهم من دينهم والدّعاء إليه ، لقوّموهم عليه ودعوهم إلى ما فيه صلاحهم ، وكان ذلك أهمّ عليهم من أمر الدنيا ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لم يرسل الرّسل وأقام الأئمّة إلّا لإظهار دينه وتقويم عباده عليه ، والدعاء إليه . وأمّا ما ذكره ممّن نزع إلى بلده فما علمنا أحدا نزع إليه لعلم يأثره ولا لدين يطلبه . وما نزع من نزع إليه إلّا لما أباح لهم من شرب الخمور والمجاهرة بالمعاصي وجعل ذلك سببا / لمجاهرته هو بذلك . ولو أنكر ذلك على غيره لوجب أن ينكره على نفسه . على أنّه إن عدّ من نزع إليه فخرا ، فإنّا لا نعرف قرية من القرى فضلا عن المنابر « 2 » والمدن من أقصى المغرب إلى ما يقرب من المشرق إلّا وفيها طائفة من أهل الأندلس قد نزعوا إليها ووطنوا بها . وإنّ كثيرا منهم ليذكر أنّ الذي نزع به خوف سخط اللّه لما رآه من إظهار المعاصي ببلده ، فخرج هاربا بذلك بنفسه . فإن كان يعدّ من نزع إليه مفخرا فلينظر من نزع عنه ! مع أنّ هذا من مفاخر الجهّال . وما زال الناس ينتقلون من بعض / البلدان إلى بعض اختيارا وشهوة ، ولعلّة ولغير علّة على قديم الزمان في كلّ مكان . وإن كان عنده أنّ كلّ بلد ينتقل إليه له الفضل على البلد المنقول منه ، فليفضّل ، إن شاء ذلك وقال به ، البلد الذي نفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله جدّه الحكم بن أبي العاص إليه ، على حرمه « 3 » الذي نفاه منه ليفيد قوله ويكمل له افتخاره .
--> ( 1 ) في الأصل : وأخذوه عنهم . ( 2 ) في الأصل : المبابر ، ولا معنى له ، فاخترنا قراءة « منابر » لان المنبر قد يعني المدينة التي بها مسجد جامع ( انظر دوزي في المادة ، وقد نقل عن ابن خلدون هذه العبارة « وولى بعض اخوانه على منابر عمله » ) . ولعلها أيضا : البنادر ج بندر وهي المدينة البحرية . ( 3 ) معلوم أن الرسول ( ص ) نفى الحكم عن المدينة إلى الطائف ، فلم يعد إليها إلا في خلافة عثمان ( انظر ص 285 . من المجالس ) .